ابن رشد
184
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
مالك والشافعي أن الانتفاع بها ممكن مع شريكه كانتفاع المكري بها مع شريكه : أعني رب المال . ومن هذا الباب استئجار الأجير بطعامه وكسوته ، وكذلك الظئر ، فمنع الشافعي ذلك على الاطلاق ، وأجاز ذلك مالك على الاطلاق : أعني في كل أجير ، وأجاز ذلك أبو حنيفة في الظئر فقط . وسبب الخلاف : هل هي إجارة مجهولة ، أم ليست مجهولة ؟ فهذه هي شرائط الإجارة الراجعة إلى الثمن والمثمون . وأما أنواع الإجارة فإن العلماء على أن الإجارة على ضربين : إجارة منافع أعيان محسوسة ، وإجارة منافع في الذمة قياسا على البيع . والذي في الذمة من شرطه الوصف . والذي في العين من شرطه الرؤية أو الصفة عنده كالحال في المبيعات ، ومن شرط الصفة عنده ذكر الجنس والنوع ، وذلك في الشئ الذي تستوفي منافعه ، وفي الشئ الذي تستوفي به منافعه فلا بد من وصف المركوب مثلا ، والحمل الذي تستوفي به منفعة المركوب . وعند مالك أن الراكب لا يحتاج أن يوصف ، وعند الشافعي يحتاج إلى الوصف ، وعند ابن القاسم أنه إذا استأجر الراعي على غنم بأعيانها أن من شرط صحة العقد اشتراط الخلف ، وعند غيره تلزم الجملة بغير شرط . ومن شرط إجارة الذمة أن يعجل النقد عند مالك ليخرج من الدين بالدين . كما أن من شرط إجارة الأرض غير المأمونة السقي عنده أن لا يشترط فيها النقد إلا بعد الري . واختلفوا في الكراء هل يدخل في أنواعه الخيار أم لا ؟ فقال مالك : يجوز الخيار في الصنفين من الكراء المضمون والمعين ، وقال الشافعي : لا يجوز . فهذه هي المشهورات من المسائل الواقعة في هذا القسم الأول من هذا الكتاب ، وهو الذي يشتمل على النظر في مجال هذا العقد وأوصافه وأنواعه ، وهي الأشياء التي تجري من هذا العقد مجرى الأركان ، وبها يوصف العقد إذا كان على الشروط الشرعية بالصحة ، وبالفساد إذا لم يكن على ذلك ، وبقي النظر في الجزء الثاني ، وهو أحكام هذا العقد . الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو النظر في أحكام الإجارات وأحكام الإجارات كثيرة ، ولكنها بالجملة تنحصر في جملتين : الجملة الأولى : في موجبات هذا العقد ولوازمه من غير حدوث طارئ عليه . الجملة الثانية : في أحكام الطوارئ . وهذه الجملة تنقسم في الأشهر إلى معرفة موجبات الضمان وعدمه ، ومعرفة وجوب الفسخ وعدمه ، ومعرفة حكم الاختلاف . الجملة الأولى ومن مشهورات هذا الباب متى يلزم المكري دفع الكراء إذا أطلق العقد ولم يشترط قبض الثمن ؟ فعند مالك وأبي حنيفة : أن الثمن إنما يلزم جزءا فجزءا بحسب ما يقبض من المنافع ، إلا أن يشترط ذلك أو يكون هنالك ما يوجب التقديم ، مثل أن يكون عوضا معينا أو يكون كراء في الذمة . وقال الشافعي : يجب عليه